أحمد بن علي القلقشندي

195

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وعندما تلتقي حلقة العساكر يلحقها - خلَّد اللَّه سلطانه - ومعه الجوارح الصائدة ، والحوامي الصائلة ، والأسهم النّافذة ، والفهود الآخذة ، فتموج الوحش ذعرا ، وترى مسالكها قد سدّت عليها سهلا ووعرا ، وضرب دون نجاتها بسور من الجياد والفرسان ، وحيل بينها وبين خلاصها بنبال وخرصان ؛ فحينئذ تفرّ النّعام عن رمالها ، والظَّباء عن ظلالها ، والبقر عن جآذرها ، والحمر عن بولها ؛ ويقبض - خلَّد اللَّه سلطانه - من جنس الوحش كلّ نوع ، ولو يمسكها بجارح لأمسكها كما تمسك عداة الإسلام بالرّوع ؛ وتجزل منها المكاسب ، وتملأ منها الحقائب ؛ فإذا أخذ حظَّه من القبض ولذّة اكتسابه ، رسم لأمرائه بالصّيد عند صدور ركابه ؛ فيصيدون ويقنصون ، زادهم اللَّه من فضله - فإنهم في طاعته مخلصون ؛ فيكثر عند ذلك كلّ قنص ذبيح ، ويأتي كلّ بما اقتنصه ليظهر التّرجيح ؛ فإذا استكمل أوقات الصّيد من الطَّير والوحش ثنى ركابه الشّريف إلى جهة القلعة المحروسة والقفار قد شرفت بمرور مواكبه ، والوحش والطَّير قد افتخرت بكونها أصبحت من مكاسبه . هذا كلَّه وإن كانت النفس تراه لهوا ، وتبلغ به كلّ ما تهوى ، ففي طيّه من تمرين الجنود على الحرب ما تشدّ به العزمات وتقوى ؛ فيؤمّ الركاب الشّريف عائدا إلى سرير ملكه بالقلعة المحروسة ، والسّلامة قد قضت ما يجب عليها من حراسته ، والأقدار قد وفت ما ينبغي من كلاءته ؛ فلم يك إلا وهو صاعد إلى القلعة المحروسة وألسنة السّعادة تخاطبه ، وسريره قد اهتزت فرحا بمقدمه جوانبه ، والصّيد المبارك قد سعدت مباديه وحمدت عواقبه ؛ فيلقي أهبة السّفر ، ويأخذ فيما بطن من المصالح الإسلامية وظهر ، وتنشده ألسنة السلامة ما أملى عليها العزّ والتّأييد والظَّفر : ملك البسيطة آب من سفره والنّصر والتّأييد في أثره فكأنّه في عزّ موكبه بدر تألَّق في سنا خفره ما في البريّة مثله ملك أوتي الذي أوتيه من ظفره !